أول اجتماع لـ "مجلس السلام".. هل تلزم إسرائيل بتنفيذ قراراته في غزة؟

أول اجتماع لـ
تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:

مع اقتراب الاجتماع الأول لمجلس السلام، الذي دشّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والمقرر عقده في الولايات المتحدة يوم 19 فبراير/شباط الجاري، تتزايد التساؤلات حول قدرة هذا الاجتماع على فرض حلول عملية في قطاع غزة، وسط مخاوف من أن يتحول المؤتمر إلى مجرد منصة إعلامية وسياسية تعزز الصورة الدبلوماسية لبعض الأطراف دون تحقيق أي تقدم ملموس.

وشكك محللون سياسيون في قدرة المؤتمر على تحقيق أي حلول فعلية في القطاع، محذرين من أن الاجتماع قد يتحول إلى "غطاء سياسي" يكرّس الواقع القائم ويمنح إسرائيل هامشا ًأوسع للمماطلة.

وأكد هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أن الاجتماع الأول لمجلس السلام قد يمثل تجربة رمزية تعكس الطموحات الأمريكية والإسرائيلية أكثر من كونه بداية لمسار تنفيذي حقيقي في غزة، مشددين على أن التحدي الأكبر يبقى في قدرة المجلس على إلزام إسرائيل بتنفيذ قراراته.

ويُعد هذا الاجتماع أول جلسة رسمية للمجلس منذ إطلاقه، ومن المنتظر أن يتضمن مؤتمرا للمانحين مخصصا لإعادة إعمار قطاع غزة، في إطار دفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال مسؤولون أمريكيون لوكالة رويترز إن من المتوقع حضور وفود من 20 دولة على الأقل، بما في ذلك عدد من الرؤساء، كما سيعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال الاجتماع إرسال آلاف القوات من دول عدة للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن تنتشر في قطاع غزة، وسيقدم إحاطة بشأن هذه القوة.

وأضافت المصادر ذاتها أن الرئيس الأمريكي سيعلن أيضا عن خطة تمويل لغزة بمليارات الدولارات.

يافطة للتظاهر

وأعرب الكاتب والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، د. صريح القاز، عن تشككه في قدرة الاجتماع الأول لمجلس السلام على فرض أي حلول عملية في قطاع غزة، محذرًا من أن المؤتمر قد يتحول إلى مجرد "يافطة للتظاهر بالسلام" وتحسين الصورة الدبلوماسية للولايات المتحدة.

وقال د. القاز في حديثه لـ"الاستقلال": "القضية الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اليوم لم تشهد أي خطوات عملية على الأرض تجسد مبادئ العدالة التي تحدث عنها ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية والإنسانية، بقدر ما شهدت وما زالت تشهد تسويفات ومغالطات لمصلحة كيان الاحتلال، وبغطاء بريطاني وأمريكي تحديدًا. فكيف لنا أن نأمل خيرًا اليوم من ما يُسمى مجلس السلام، الذي ليس سوى إعادة هندسة الاحتلال والاستيطان تحت شعار 'السلام الاقتصادي'؟"

وأضاف "أن أي آليات تنفيذية للمجلس تبدو محدودة جدًا، وأن القرار يعود في المقام الأول لمزاج نتنياهو وكاشنر وويدكوف، فكيف نتوقع السماح بدخول لجنة أو لجان التكنوقراط إلى غزة، بينما الاحتلال لم يسمح حتى بدخول أبسط المساعدات الإنسانية؟"

واعتبر د. القاز، أن المؤتمر لن يكون سوى أداة إعلامية لإظهار التزام واشنطن بالسلام، لكنه في الواقع يعكس استمرار التواطؤ الأمريكي مع الاحتلال، متوقعاً أن يكون المؤتمر في خدمة الاحتلال ومصالحه أكثر من غزة، وهدفه الأساسي هو تحسين صورة أمريكا أمام العالم، خاصة بعد الأحداث المأساوية في غزة منذ 7 أكتوبر 2023."

سلطة ناقصة

بدوره، أعرب الكاتب والمحلل السياسي د. عدنان الأفندي عن شكوك مماثلة حول قدرة المؤتمر على تحقيق أي حلول عملية في القطاع، محذراً من أن الاجتماع قد يتحول إلى "غطاء سياسي" يكرّس الواقع القائم ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمماطلة.

وقال د. الأفندي لـ "الاستقلال":"إذا كانت إسرائيل تمنع دخول لجنة التكنوقراط إلى غزة حتى الآن، فما الآليات العملية التي يمتلكها مجلس السلام لإجبارها على الالتزام بمخرجات الاجتماع الأول؟ أعتقد أن المجلس لا يملك صلاحيات حقيقية للفرض، وسيبقى القرار النهائي بيد الاحتلال وأمريكا."

وأضاف أن المؤتمر "ليس من المتوقع أن يصنع تحولًا سياسيًا حقيقيًا، بل ربما يكون محاولة لامتصاص الضغوط الدولية وتحسين الصورة الدبلوماسية لبعض الأطراف"، مشيرًا إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي دعا فيها حركة حماس إلى التجرد الكامل من سلاحها لضمان السلام في غزة، واعتبرها استمرارًا للنهج الأمريكي الذي يربط أي تقدم بالتخلي عن المقاومة، بينما "الاحتلال يواصل عمليات القتل في القطاع دون رادع حقيقي ولم يلتزم بالمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار".

وأكد د. الأفندي أن مشاركة إسرائيل وموافقتها على مجلس السلام "تهدف فقط إلى تخفيف الضغط الدولي وإظهار صورة دبلوماسية إيجابية للولايات المتحدة، دون نية لتنفيذ أي قرارات عملية على الأرض"، لافتًا إلى أن "أي مخرجات قد يصدرها المجلس ستظل بلا قوة تنفيذية، وسيكون المجلس في الغالب منصة إعلامية تتيح للاحتلال فرصة المماطلة ومواصلة خططه العسكرية التي أعلن عنها رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو بشكل واضح وصريح".

ترسيخ الواقع

من جانبها، أكدت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة توافقها مع هذه الرؤية، معتبرة أن الاجتماع الأول لمجلس السلام قد يتحول إلى منصة سياسية إعلامية أكثر من كونه آلية تنفيذية حقيقية.

وقالت د. عودة لـ"الاستقلال": "الاجتماع قد يصبح غطاءً سياسيًا يكرّس الواقع القائم ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمماطلة"، مشيرة إلى أن استمرار منع إسرائيل دخول لجنة التكنوقراط إلى غزة يطرح تساؤلات جدية حول "الآليات العملية التي يمتلكها المجلس لإجبارها على الالتزام بمخرجات الاجتماع الأول".

وأضافت أن "انضمام رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، رسميًا إلى المجلس يزيد من احتمالية عرقلة أي جهود لإعادة إعمار القطاع أو تثبيت وقف النار، تحت ذريعة نزع سلاح حركة حماس"، موضحة أن هذا يعكس "خطر تحويل المجلس إلى أداة سياسية لإضفاء شرعية على خطوات محددة دون معالجة القضايا الجوهرية للسكان المدنيين في القطاع".

وأشارت إلى أن "غياب اتفاق واضح حول آليات عمل لجنة التكنوقراط في إدارة شؤون سكان غزة من الناحية المدنية والأمنية يجعل من المرجح أن يكون الطابع العام للمؤتمر إعلاميًا ودعائيًا، يركز على تعزيز صورة الرئيس الأمريكي كوسيط للسلام وتشجيع المانحين على تقديم الدعم المالي لإعادة إعمار القطاع، مع ربط نجاح المرحلة الثانية بقضية نزع السلاح، دون وضع آليات عملية لإنهاء حالة الحرب بشكل كامل".

وحذّرت د. رهام عودة من أن "أي اعتماد على المجلس دون وجود ضمانات دولية قوية وشفافة قد يعيد إنتاج نمط التفاوض غير المتوازن الذي طالما أعاق جهود إعادة الإعمار والاستقرار في غزة، ويضع الفلسطينيين في مواجهة معضلات إنسانية مستمرة"، مضيفة أن "مجلس السلام يحتاج إلى وضوح أكبر في صلاحيته وآليات عمله، وإلا فسيبقى مجرد حدث دبلوماسي يستهلك الوقت ويضخ إعلاميًا نجاحات متوقعة دون تحقيق أي تقدم ملموس على الأرض".

التعليقات : 0

إضافة تعليق